حسن الأمين

283

مستدركات أعيان الشيعة

إلى تكميل نفسه وتثقيفها موفيا به على أبعد الغايات العلمية والأدبية . لم أعرف تحديدا مضبوطا للعام الذي بدأ به دراسته ، ولا أول الفروع التي درسها ، وإن كنت أرجح أنه الأدب ، إذ قرأه - وهو صبي ( 1 ) بين الثانية عشرة والخامسة عشرة - على « ابن نباتة » وهذا يجعلني أفترض أنه حين وجه إلى « الشيخ المفيد » لدراسة الفقه - كانت سنه لا تقل عن خمسة عشر عاما ، إذ كان معه أخوه « الرضي » والرضي ولد بعده بأربعة أو خمسة أعوام . ومن البعيد أو يذهب بالفتى إلى دراسة فقهية قبل أن يشدوا طرفا من اللغة والأدب ، ومن تلك العلوم التي تعتبر أدوات لدراسة الفقه . إن نتاجه العلمي والأدبي يدل على أنه سعى للدراسة صغيرا ، وأنه قطع شوط صباه في دراسة جدية مضنية ، حتى إذا بلغ السابعة والعشرين من عمره عد مرجعا فقهيا وكلاميا ، وبدأ الشيعة وغيرهم يتوجهون إليه بالكتب والرسائل في علمي الفقه والكلام من مختلف البلاد المسلمة . وقد وصفه المؤرخون بأنه كان نحيف الجسم ، أشرب بياض بشرته حمرة . ولا بد لي أن أقرر أن نحافة جسمه ليست من هزال أو ضعف ، ألا أن يكون ذلك الوصف له في أيام شيخوخته ، فاني لم أعهد الرجل كان شاكيا مرضا أو علة طوال أيام حياته ، وأن أسفاره المتعددة إلى مكة أميرا لتتطلب قوة جسمية عظيمة وخصوصا أن السفر في تلك الأيام كان فيه من المشاق والمخاطر ، ما لا يقوى عليه إلا رجل قوي البنية ، وأن قيامه باعمال نقابة النقباء ، وقضاء القضاة - وقد ضاق بها أبوه وأخوه الرضي وطلبا الإعفاء منها - مدة ثلاثين عاما لتستدعي من القوى الجسمية والعقلية ما لا بد من توفر الرجل على قوى خارقة بالغة . كما يبدو لي أنه كان رقيق المشاعر ، يتأثر بما ينزل باخوانه ، وياسى لأساهم ، فلا تصيب أحدهم مصيبة إلا بادر إلى المواساة ، معزيا في قصيدة ، أو مهنئا بأبيات ، مع العلم أن بين أخوانه من لا شان له في الدولة ، ولا نصيب له من جاه المال والقبيل . ولقد توفي أخوه « الرضي » وشهد الناس جنازته كافة ولكنه امتنع من شهودها ، لأنه لم يستطع أن ينظر إلى أخيه في النزع ، ولا إلى جثمانه محمولا على الأعناق ، ولاذ « بالمشهد » ( 2 ) إلى أن أعاده الوزير « فخر الملك » إلى داره ، فقعد لمجلس العزاء ، ورثاه بقصيدة تفيض لوعة وأسى ( 3 ) : قدني إليك فقد أمنت شماسي وكفيت مني اليوم صدق مراسي أسري بلا هاد بكل مضلة وأجوب مظلمة بلا مقباس في أسر قاصمة أخادع جيرتي عنها وأكتم داءها جلاسي يا للرجال لفجعة جذمت يدي ووددتها ذهبت على برأسي ما زلت آبي وردها حتى أتت فحسوتها في بعض ما أنا حاسي راديتها فلقيت منها صخرة صماء من جل أشم رأسي وهي قصيدة طويلة . ( 4 ) كما أنه كان كظوما للغيظ ، يلقى من أبناء عمومته من الكيد والحسد الشيء البالغ ولكنني لم أعلمه قابل أحدا منهم بالسوء . وكل ما علمته أنني رأيته يلجا إلى قول الشعر ينفس به عن نفسه ، ويلطف من حدته ، ويشير إلى ما يلقاه من أذى ، وما يلقاهم به من لطف . كان مرتضى كاسمه ، ولقد يحدث أن يكدر الجو بينه وبين أخيه ، فتسوء العلائق أو تكاد ، فلا يجد بأسا - وهو الأكبر سنا - أن يمد لأخيه الصغير يدا تسترضيه وتحييه ثم يخطب وده في قصيدة شاعرة ، يرد عليها « الرضي » بمثلها أو بأحسن منها ، فلا يلبث الجو الأخوي أن يعود تقي الجوانب ، مشرق الأنحاء : تكشف ظل العتب عن غرة العهد وأعدى اقتراب الوصل منا على البعد تجنبني من لست عن بعض هجره صفوحا ، ولا في قسوة منه بالجلد وكنت على ما جره الهجر ممسكا بحبل وفاء غير منفصم العقد أمين نواحي السر لم تسر غدرة ببالي ، ولم أحفل بداعية الصد إذا تركت يمنى يديك تعلقي فيا ليت شعري من تمسك من بعدي ؟ هلم نعد صفو الوداد كما بدا إعادة من لم يلف عن ذاك من بد فأجابه الشريف الرضي : عجبت من الأيام إنجازها وعدي وتقريبها ما كان مني على بعد ورثاؤه المتعدد لزوجته أم فتاه « أبي محمد » ، صورة واضحة لتلك المشاعر الرقيقة المرهفة : ألا هل أتاها كيف حزني بعدها وإن دموعي لست أملك ردها ومما شجاني أنني لم أجد لها على خبرتي شيئا يهون فقدها وأني لما أن قضى الله هلكها على قلبي المحزون بقيت بعدها حرام - وقد غيبت عني - أن أرى من الخلق إلا نظرة لن أردها وسيان عندي أن حبتني خريدة بوصل يرجى أو حبتني صدها ومن أين لي في غيرها عوض بها وقد أحرزت سبل الفضائل وحدها ؟ أسام التسلي وهو عني بمعزل وكيف تسأم النفس ما ليس عندها ؟ وودي بان الله يوم اخترامها تخرم من جنبي ما حاز ودها وأني لما أنالها الموت غالني فبعدا لنفسي أن قضى الله بعدها ولله منها حفرة جئت طائعا فأودعت ديني ثم دنياي لحدها ووليت عنها أنفض الترب عن يد نفضت تراب القبر عنها وزندها كما يبدو حسن التصرفات ، منسجما مع عقيدته ومركزه أشد انسجام . يتغزل غزلا لا يبعد به عن مقام رجل الدين ، ويلجا إلى الأحلام - شعره في الطيف - لينفس عن عواطفه المكبوتة ، في خواطر لم يحاسب عليها مخلوق في دينه أو في دنياه ، ولم يكن كذلك شان أخيه « الرضي » ، فقد تغزل - على عفة في نفسه ينص عليها التاريخ - غزلا حارا صريحا شان المدلهين المغرمين ، وهذا ما لاحظه السيد نعمة الله الجزائري في مقاماته . ( 5 ) وينبغي أن أشير إلى أن للرجل مسلكا علميا وآخر اجتماعيا ، فهو في مسلكه العلمي صلب راسخ لا يتزحزح عن رأيه ومدرسته قيد أنملة : يحارب الأشاعرة والظاهرية ، إمامي أصولي يناهض المحدثين [ الاخبرايين ] الأخباريين من الشيعة .

--> ( 1 ) روضات الجنات ج 2 ص 383 ط إيران نقلا عن كتاب الدرجات الرفيعة . ورياض العلماء ص 413 نقلا عن خط الشيخ « البهائي » ، نقلا عن خط « الشهيد » . ( 2 ) ضريح الإمام موسى الكاظم . ( 3 ) المنتظم وابن الأثير حوادث 406 . ( 4 ) الديوان مخطوط ج 3 ص 93 . ( 5 ) روضات الجنات ج 2 ص 577 ط إيران .